أحمد فارس الشدياق

222

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

لي : إنّي ليعجبني حسن تصرّفك فينا ، ونزاهة نفسك ، وذلك ممّا يدعوني إلى إجابة سؤالك ، غير أني أنكر عليك شيئا شاع عنك . قلت : اذكر لي حتى أتجنّبه . قال : إنّ الناس يقولون : إنّك قدمت إلينا جاسوسا من رف الإنكليز ، وإذا كان ذلك حقّا فلا يسعني إسعافك بحاجتك . قلت : بودّي لو كنت جاسوسا إذن ما كنت لأكلّف أحدا بشيء ، فإنّ جاسوس الإنكليز يستغني بوظيفته عن أن يتوصّل بأحد إلى نوال أربه . ولا شكّ في أن المومأ إليه سمع عنّي ذلك ، فإنّ من طبع الفرنسيس ، ولا سيّما شرطة الديوان ، أن يتجسّسوا عن أحوال الغريب بينهم ، فإذا علموا أنه يعيش بلا حرفة يتعاطاها حكموا بأنّه إمّا بأن يعيش من رزقه ، أو من حيلته ، وحيث كانوا يعلمون أنّي لم أكن أتعاطى حرفة ، ولست غنيّا ذا عواجل وولائم استنتجوا من هاتين المقدمتين أنّي جاسوس . ومثل ذلك لا يشغل به أحد من الإنكليز باله ، فغاية ما يرومونه من الغريب أن يحسن تصرّفه ، ويقضي دينه ، إلا أنّ من يسكن عندهم في القرى يلزمه من باب المجاملة والمخالقة أن يذهب إلى الكنيسة في يوم الأحد ، وأن ينام فيها . فأمّا في المدن الجامعة فلا يلزمه ذلك ، وقد شهر مرّة في صحف الأخبار أنّ الملكة أهدت إلى بعض الجند منديلا قد كفّ بكفّ ابنتها ، فلم يعبأ بهذا الخبر أحد ، ولا ظنّ بها أحد سوءا ، ولو شهر أمر مثل هذا في بلادنا عن أميرة لبقي شغل الخواطر والألسن أحقابا . ومن ذلك كلامهم بصوت منخفض وهي صفة تكاد أن تكون من خصوصيات نسائهم . وفي بعض البلاد قد تسمع للنساء زعيفا « 207 » وزعيقا كأصوات الجن . ومن ذلك حسن الترتيب والتدبير في الأشغال والمصالح والتوقيت للعمل فلكلّ شيء عندهم وقت ، ولكلّ وقت شغل ، فإذا اتفق أن زارهم أحد في ساعة الشغل لم يتحاشوا أن يقولوا له مثلا : قد أنسنا بك ، ولكن علينا قضاء ما لا بدّ منه من المصالح ، فلا تؤاخذنا ، وزرنا في يوم كذا ، فينصرف عنهم عاذرا لا عاذلا لأنّه هو

--> ( 207 ) كذا وردت وأحسب صوابها : عزيفا : والعزيف : صوت الجن . ( م ) .